أبي منصور الماتريدي
496
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم المسألة فيما عملوا بالمنسوخ قبل العلم بالنسخ ما حال العمل الذي عملوا به يجرحون ويأثمون في عملهم بذلك في حال نسخه ، أو يثابون ويؤجرون على ذلك ؟ فإن كان الفعل فعل طاعة وقربة ، فإنه يثاب في قصده وفعله « 1 » ولا يجرح فيه . وإن كان فعله « 2 » ليس بفعل قربة وطاعة ، ولكن فعل حل وحرمة - فإنه في فعله قبل بلوغ العلم بنسخه لا يجرح في فعله ؛ نحو ما روي أنهم كانوا يشربون الخمر ثم أتاهم آت فقال : ألا إن الخمر قد حرمت ، فصبّوها وكفوا عنها ، فهم في شربهم بعد التحريم قبل بلوغ الخبر إليهم لا يجرحون . وأما الفعل الذي هو فعل قربة وطاعة : فإن لهم القربة في فعلهم وهو الصلاة ؛ ونحوه ما روي أن نفرا كانوا يصلون إلى بيت المقدس ، فمرّ عليهم مار فقال : ألا إن القبلة قد حولت - وهم في الركوع - إلى الكعبة ، فتحولوا نحوها ، فأخبروا عن ذلك رسول الله فلم يأمرهم بالإعادة ؛ لأن الفعل فعل قربة وطاعة ، فالطاعة والقربة موجودة في فعلهم ؛ لأن الأفعال التي فرضت لم تفرض لنفس الأفعال إنما فرضت للطاعة والقربة لله فيها ، فإنه يؤجر على ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . بما فيه مصالح الخلق وما ليس فيه ؛ كأن هذا - والله أعلم - خرج لإنكار من أنكر النسخ في الشرائع « 3 » ؛ يقول : إن الله يعلم بما فيه مصالح الخلق وأنتم لا تعلمون ، وفي الناسخ مصالح لهم وأنتم لا تعلمون ، ويؤكد ذلك قوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ .
--> ( 1 ) في أ : وقوله . ( 2 ) في أ : ولكن وإن كان الفعل . ( 3 ) أجمع أهل الشرائع طرا من المسلمين والنصارى واليهود على جوازه عقلا ، وخالف في ذلك الشمعونية من اليهود متمسكين بشبه واهية . الرد عليها بعد ذكرها إن شاء الله تعالى : دليل جوازه عقلا : احتج الجمهور بدليل عقلي حاصله : أن المخالف لا يخلو حاله من أحد أمرين : إما أن يكون ممن يوافق على أن الله تعالى هو الفاعل المختار له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض . وإما أن يكون ممن يعتبر المصلحة في أفعاله تعالى . فإن كان الأول فليس في العقل ما يمنع من أن يأمر الله بشيء في وقت وينهى عنه في وقت آخر ؛ كأمره بالصوم في اليوم الأخير من رمضان ، ونهيه عنه في اليوم الأول من شوال . وإن كان الثاني فلا يمتنع أن يعلم الله أن في الفعل مصلحة في وقت فيأمر به ، وأن في الفعل مضرة في وقت آخر فينهى عنه ؛ فإن المصلحة مما تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، أما اختلافها بالأشخاص فإنا نرى الغنى مصلحة لبعض الناس ، والفقر مفسدة له ، بينما نرى الفقر مصلحة للبعض الآخر ، والغنى مفسدة له ، يدلنا على ذلك قول الرسول الأمين -